فصل: الآية رقم ‏(‏40 ‏:‏ 45‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏40 ‏:‏ 45‏)‏

‏{‏ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ‏.‏ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ‏.‏ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ‏.‏ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ‏.‏ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ‏.‏ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ‏}‏

يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه خلقه بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة‏}‏ أي أتاكم هذا أو هذا ‏{‏أغير اللّه تدعون إن كنتم صادقين‏}‏ أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ أي في اتخاذكم آلهة معه ‏{‏بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون‏}‏ أي في وقت الضرورة لا تدعون أحداً سواه وستذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه‏}‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء‏}‏ يعني الفقر والضيق في العيش، ‏{‏والضراء‏}‏ وهي الأمراض والأسقام والآلام، ‏{‏لعلهم يتضرعون‏}‏ أي يدعون اللّه ويتضرعون إليه ويخشعون‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا‏}‏ أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكوا لدينا، ‏{‏ولكن قست قلوبهم‏}‏ أي ما رقت ولا خشعت، ‏{‏وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون‏}‏ أي من الشرك والمعاندة والمعاصي، ‏{‏فلما نسوا ما ذكروا به‏}‏ أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، ‏{‏فتحنا عليهم أبواب كل شيء‏}‏ أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً باللّه من مكره، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏حتى فرحوا بما أوتوا‏}‏ أي من الأموال والأولاد والأرزاق ‏{‏أخذناهم بغتة‏}‏ أي على غفلة ‏{‏فإذا هم مبلسون‏}‏ أي آيسون من كل خير‏.‏ قال ابن عباس المبلس‏:‏ الآيس، وقال الحسن البصري‏:‏ من وسّع اللّه عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فلما نسوا من ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏}‏ قال‏:‏ مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا وقال قتادة‏:‏ بغت القوم أمر اللّه، وما أخذ اللّه قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا باللّه، فإنه لا يغتر باللّه إلا القوم الفاسقون‏.‏

وقال مالك عن الزهري ‏{‏فتحنا عليهم أبواب كل شيء‏}‏ قال‏:‏ رخاء الدنيا ويسرها‏.‏ وقد قال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج‏)‏، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏}‏ ‏"‏رواه أحمد وابن جرير وابن ابي حاتم‏"‏وعن عباده بن الصامت أن رسول اللّه كان يقول‏:‏ إذا أراد اللّه بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا اراد اللّه بقوم اقتطاعاً فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة ‏{‏حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏}‏، كما قال‏:‏ ‏{‏فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين‏}‏ ‏"‏رواه ابن ابي حاتم وأحمد في مسنده‏"‏

 الآية رقم ‏(‏46 ‏:‏ 49‏)‏

‏{‏ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ‏.‏ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ‏.‏ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏.‏ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ‏}

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين ‏{‏أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم‏}‏ أي سلبكم إياها كما أعطاكموها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار‏}‏ الآية، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بها الانتفاع الشرعي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وختم على قلوبكم‏}‏، كما قال‏:‏ ‏{‏أمن يملك السمع والأبصار‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏من إله غير اللّه يأتيكم به‏}‏ أي هل أحد غير اللّه يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه اللّه منكم‏؟‏ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏انظر كيف نصرف الآيات‏}‏ أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا اللّه، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ‏{‏ثم هم يصدفون‏}‏ أي ثم هم مع البيان يصدفون، أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه قال ابن عباس‏:‏ يصدفون أي يعدلون‏.‏ وقال مجاهد وقتادة‏:‏ يعرضون، وقال السدي‏:‏ يصدون‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه بغتة‏}‏ أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم، ‏{‏أو جهرة‏}‏ أي ظاهراً عياناً،‏{‏هل يهلك إلا القوم الظالمون‏}‏ أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله ينجو الذين كانوا يعبدون اللّه وحده لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقوله‏:‏ ‏{‏وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين‏}‏ أي مبشرين عباد اللّه المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر باللّه النقمات والعقوبات، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فمن آمن وأصلح‏}‏ أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم ‏{‏فلا خوف عليهم‏}‏ أي بالنسبة لما يستقبلونه، ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، اللّه وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه؛ ثم قال‏:‏ ‏{‏والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون‏}‏ أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر اللّه وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته‏.‏

 الآية رقم ‏(‏50 ‏:‏ 54‏)‏

‏{‏ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ‏.‏ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ‏.‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ‏.‏ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ‏.‏ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ‏}

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏قل لا اقول لكم عندي خزائن اللّه‏}‏ أي لستُ أملكها ولا أتصرف فيها، ‏{‏ولا أعلم الغيب‏}‏ أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم اللّه عزَّ وجلَّ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، ‏{‏ولا أقول لكم إني ملك‏}‏ أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إليَّ من اللّه عزَّ وجلَّ شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إن أتبع إلا ما يوحى إلي‏}‏ أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه، ‏{‏قل هل يستوي الأعمى والبصير‏}‏ أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له ‏{‏أفلا تتفكرون‏}‏‏؟‏ وهذه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع‏}‏ أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، ‏{‏الذين هم من خشية ربهم مشفقون‏}‏، ‏{‏الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب‏}‏، ‏{‏الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏ليس لهم‏}‏ أي يومئذ ‏{‏من دونه ولي ولا شفع‏}‏ أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ‏{‏لعلهم يتَّقون‏}‏ أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا اللّه عزَّ وجلَّ ‏{‏لعلهم يتقون‏}‏ فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه‏}‏ أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله‏:‏ ‏{‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يدعون ربهم‏}‏ أي يعبدونه ويسألونه ‏{‏بالغداة والعشي‏}‏ قال سعيد ابن المسيب‏:‏ المراد به الصلاة المكتوبة وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‏}‏ أي أتقبل منكم، وقوله‏:‏ ‏{‏يريدون وجهه‏}‏ أي يريدون بذلك العمل وجه اللّه الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله‏:‏ ‏{‏ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء‏}‏ كقول نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا‏:‏ ‏{‏أنؤمن لك واتبعك الأرذلون‏}‏، ‏{‏وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون‏}‏ أي إنما حسابهم على اللّه عزَّ وجلَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله‏:‏ ‏{‏فتطردهم فتكون من الظالمين‏}‏ أي إن فعلت هذا والحالة هذه‏.‏

روى ابن جرير عن ابن مسعود قال‏:‏ مر الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد‏:‏ أرضيت بهؤلاء من قومك‏؟‏ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا‏؟‏ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء‏؟‏ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه‏}‏، ‏{‏وكذلك فتنا بعضهم ببعض‏}‏ إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي‏}‏ قال‏:‏ جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم حقّروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا‏:‏ إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا‏:‏ فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، قالوا‏:‏ فاكتب لنا عليك كتاباً، قال‏:‏ فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال‏:‏ ‏{‏ولا تطرد الذين يدعون ربهم‏}‏ الآية، فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه ‏"‏أخرجه ابن ابي حاتم ورواه ابن جرير أيضاً من حدث أسباط بن نصر‏"‏وقال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، منهم ابن مسعود قال‏:‏ كنا نستبق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش‏:‏ تدني هؤلاء دوننا، فنزلت‏:‏ ‏{‏ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي‏}‏ ‏"‏رواه الحاكم في المستدرك وقال‏:‏ على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه‏"‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك فتنا بعضهم ببعض‏}‏ أي ابتلينا واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض ‏{‏ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا‏}‏، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال نوح لنوح‏:‏ ‏{‏وما نراك اتبعك إلا الذين هم اراذلنا بادي الرأي‏}‏ الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم‏؟‏ فقال‏:‏ بل ضعفاؤهم، فقال‏:‏ هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون‏:‏ أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا‏؟‏ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيراً ويدعنا كقولهم‏:‏ ‏{‏لو كان خيراً ما سبقونا إليه،‏}‏ وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً‏}‏ قال اللّه تعالى في جواب ذلك‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئيا‏}‏، وقال في جوابهم حين قالوا‏:‏ ‏{‏أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا‏}‏ ‏{‏أليس اللّه بأعلم بالشاكرين‏}‏‏؟‏ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين‏}‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم بلفظ‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم‏.‏‏.‏‏)‏الحديث‏.‏‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم‏}‏ أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كتب ربكم على نفسه الرحمة‏}‏ أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً ‏{‏أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة‏}‏، قال بعض السلف‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل وقال بعضهم‏:‏ الدنيا كلها جهالة‏:‏ ‏{‏ثم تاب من بعده وأصلح‏}‏ أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل ‏{‏فإنه غفور رحيم‏}‏ قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏55 ‏:‏ 59‏)‏

‏{‏ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ‏.‏ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ‏.‏ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ‏.‏ قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين ‏.‏ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، ‏{‏كذلك نفصل الآيات‏}‏ أي التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ‏{‏ولتستبين سبيل المجرمين‏}‏ أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقوله‏:‏ ‏{‏قل إني على بينة من ربي‏}‏ أي على بصيرة من شريعة اللّه التي أوحاها اللّه إليّ، ‏{‏وكذبتم به‏}‏ أي بالحق الذي جاءني من الله، ‏{‏ما عندي ما تستعجلون به‏}‏ أي من العذاب، ‏{‏إن الحكم إلا للّه‏}‏ أي إنما يرجع أمر ذلك إلى اللّه إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجّلكم لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يقص الحق وهو خير الفاصلين‏}‏ أي وهو خير من فصل القضايا وخير الفاصلين في الحكم بين عباده، وقوله‏:‏ ‏{‏قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم‏}‏ أي لو كان مرجع ذلك إليّ لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، واللّه أعلم بالظالمين‏.‏ فإن قيل‏:‏ فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ يا رسول اللّه هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال‏:‏ إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال‏:‏ فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال‏:‏ يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا‏.‏ فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنا بهم، وسأل لهم التأخير لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم واللّه أعلم بالظالمين‏}‏‏؟‏ فالجواب - واللّه أعلم - أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم‏.‏ وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك الجبال، أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو‏}‏ قال البخاري عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه‏(‏ ثم قرأ‏:‏ إن اللّه عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن اللّه عليم خبير‏}‏، وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدي له في صورة أعرابي، فسال عن الإيمان الإسلام الإحسان‏.‏ فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما قال له‏:‏ ‏(‏خمس لا يعلمهن إلا اللّه‏)‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏إن اللّه عنده علم الساعة‏}‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ويعلم ما في البر والبحر‏}‏ أي يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ولا مثقال ذرة في الارض ولا في السماء، وما أحسن ما قاله الصرصري‏:‏

فلا يخفى عليه الذر إما * تراءى للنواظر أو توارى

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تسقط من ورقة إلا يعلمها‏}‏ أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات لا سيما بالمكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏}‏ وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وما تسقط من ورقة إلا يعلمها‏}‏ قال‏:‏ ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏ قال عبد اللّه بن الحارث‏:‏ ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبراة إلا وعليها ملك موكل يأتي اللّه بعلمها رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست‏.‏

 الآية رقم ‏(‏60 ‏:‏ 62‏)‏

‏{‏ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ‏.‏ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ‏.‏ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ‏}

يقول تعالى‏:‏ إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّه يتوفَّى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها‏}‏، فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار‏}‏ أي ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم حال حركتهم، كما قال‏:‏ ‏{‏سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار‏}‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه‏}‏ أي في الليل، ‏{‏ولتبتغوا من فضله‏}‏ أي في النهار، كما قال‏:‏ ‏{‏وجعلنا الليل لباساً وحعلنا النهار معاشاً‏}‏، ولهذا قال تعالى ها هنا‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار‏}‏ أي ما كسبتم من الأعمال فيه، ‏{‏ثم يبعثكم فيه‏}‏ أي في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي، وقال ابن جرير ‏:‏ أي في المنام والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرد إليه، فإن أذن اللّه في قبض روحه قبضة وإلا رد إليه‏)‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ليقضى أجل مسمى‏}‏ يعني به أجل كل واحد من الناس، ‏{‏ثم إليه مرجعكم‏}‏ أي يوم القيامة، ‏{‏ثم ينبئكم‏}‏ أي يخبركم ‏{‏بما كنتم تعملون‏}‏ ويجزيكم على ذلك إن خيراً فخير وإن شرأ فشر، وقوله‏:‏ ‏{‏وهو القاهر فوق عباده‏}‏ أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، ‏{‏ويرسل عليكم حفظة‏}‏ أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله‏:‏ ‏{‏له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللّه‏}‏ وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله‏:‏ ‏{‏وإن عليكم لحافظين‏}‏ الآية، وكقوله‏:‏ ‏{‏ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏إذ يتلقى المتلقيان‏}‏ الآية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا جاء أحدكم الموت‏}‏ أي احتضر وحان أجله ‏{‏توفته رسلنا‏}‏ أي ملائكة موكلون بذلك‏.‏ قال ابن عباس وغير واحد‏:‏ لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت‏}‏ الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا بالصحة، وقوله‏:‏ ‏{‏وهم لا يفرّطون‏}‏ أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء اللّه عزَّ وجلَّ، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين عياذاً باللّه من ذلك، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم ردوا إلى اللّه مولاهم الحق‏}‏‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ ‏{‏ثم ردوا‏}‏ يعني الملائكة، ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا‏:‏ اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال‏:‏ من هذا‏؟‏ فيقال‏:‏ فلان، فيقال‏:‏ مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه عزَّ وجلَّ وإذا كان الرجل السوء قالوا‏:‏ اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال‏:‏ من هذا‏؟‏ فيقال‏:‏ فلان، فيقال‏:‏ لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له‏:‏ مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له‏:‏ مثل ما قيل في الحديث الثاني‏)‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ثم ردوا‏}‏ يعني الخلائق كلهم إلى يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال‏:‏ ‏{‏قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً‏}‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏63 ‏:‏ 65‏)‏

‏{‏ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ‏.‏ قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ‏.‏ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ‏}‏

يقول تعالى ممتناً على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده له شريك له، كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أإله مع اللّه تعالى اللّه عما يشركون‏}‏ وقال في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية‏}‏ أي جهراً وسراً، ‏{‏لئن أنجانا‏}‏ أي من هذه الضائقة ‏{‏لنكونن من الشاكرين‏}‏ أي بعدها، قال اللّه‏:‏ ‏{‏قل اللّه ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم‏}‏ أي بعد ذلك، ‏{‏تشركون‏}‏ أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى، وقوله‏:‏ ‏{‏قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم‏}‏ لما قال‏:‏ ‏{‏ثم أنتم تشركون‏}‏ عقبه بقوله‏:‏ ‏{‏قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً‏}‏ أي بعد إنجائه إياكم كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً‏}‏ قال الحسن‏:‏ هذه للمشركين، وقال مجاهد‏:‏ لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وعفا عنهم؛ ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك‏.‏

قال البخاري رحمه اللّه تعالى‏:‏ يلبسكم‏:‏ يخلطكم من الالتباس، يلبسوا‏:‏ يخلطوا، شيعاً‏:‏ فرقاً‏.‏ ثم روى بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أعوذ بوجهك‏)‏، ‏{‏أو من تحت أرجلكم‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏أعوذ بوجهك‏)‏، ‏{‏أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏ هذه أهون - أو - أيسر‏)‏ طريق آخر قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن جابر قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أعوذ باللّه من ذلك‏)‏ ‏{‏أو من تحت أرجلكم‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أعوذ باللّه من ذلك‏)‏، ‏{‏أو يلبسكم شيعاً‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏هذا أيسر‏)‏ ولو استعاذه لأعاذه‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ أقبلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عزَّ وجلَّ طويلاً ثم قال‏:‏ ‏(‏سألت ربي ثلاثاً، سألته‏:‏ أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته‏:‏ أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته‏:‏ أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في كتاب الفتن، ومعنى السنة‏:‏ القحط والجدب‏"‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن جابر بن عتيك أنه قال‏:‏ جاءنا عبد اللّه بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي‏:‏ هل تدري أين صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسجدكم هذا‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم، فقال‏:‏ فأشرت إلى ناحية منه، فقال‏:‏ هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه‏؟‏ فقلت‏:‏ أخبرني بهن فقلت‏:‏ دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال‏:‏ صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ إسناده جيد قوي وليس هو في شيء من الكتب الستة‏"‏

حديث آخر قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك أنه قال‏:‏ رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال‏:‏ ‏(‏إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، وسألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة‏:‏ سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ‏)‏، ورواه النسائي في الصلاة‏.‏ حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن خباب بن الأرت مولى بني زهرة وكان قد شهد بدراً مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ وافيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر فسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من صلاته، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها‏!‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عزَّ وجلَّ فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسالت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والنسائي وابن حبان والترمذي وقال‏:‏ حسن صحيح‏"‏

حديث آخر ‏:‏ عن شداد بن أوس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين المراد بالكنزين‏:‏ الذهب والفضة الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال‏:‏ يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وان لا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً وبعضهم يقتل بعضاً وبعضهم يسبي بعضاً‏)‏ قال‏:‏ وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة‏)‏ ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي‏"‏

حديث آخر ‏:‏ قال الطبراني عن جابر بن سمرة السوائي عن علي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فقلت‏:‏ يا رب لا تهلك أمتي جوعاً فقال‏:‏ هذه لك‏.‏ قلت‏:‏ يا رب لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاحهم قال‏:‏ ذلك لك، قلت‏:‏ يا رب لا تجعل بأسهم بينهم قال - فمنعني هذه‏)‏

حديث آخر ‏:‏ قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏دعوت ربي عزَّ وجلَّ أن يرفع عن أمتي أربعاً فرفع اللّه عنهم اثنتين، وأبى عَليَّ أن يرفع عنهم اثنتين‏:‏ دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع اللّه عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع اثنتين القتل والهرج‏)‏ طريق أخرى ‏:‏ عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض‏}‏ قال‏:‏ فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم فتوضا ثم قال‏:‏ ‏(‏اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض‏)‏ قال‏:‏ فأتاه جبريل فقال‏:‏ يا محمد إن اللّه قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم‏.‏ قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد وغير واحد في قوله‏:‏ ‏{‏عذاباً من فوقكم‏}‏ يعني الرجم، ‏{‏أو من تحت أرجلكم‏}‏ يعني الخسف وهذا هو اختيار ابن جرير‏.‏

وكان عبد اللّه بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر يقول‏:‏ الا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم‏}‏ لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد ‏{‏أو من تحت أرجلكم‏}‏ لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحداً، ‏{‏أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض‏}‏، الا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث‏.‏ وقال ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏عذاباً من فوقكم‏}‏ يعني أمراءكم، ‏{‏أو من تحت أرجلكم‏}‏ يعني عبيدكم وسفلتكم، قال ابن جرير‏:‏ وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى، ويشهد له بالصحة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير‏}‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ‏)‏، وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء اللّه تعالى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو يلبسكم شيعاً‏}‏ يعني يجعلكم ملتبسين شيعاً فرقاً متخالفين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني الأهواء، وكذا قال مجاهد وقد ورد في الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويذيق بعضكم بأس بعض‏}‏، قال ابن عباس وغير واحد‏:‏ يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏انظر كيف نصرف الآيات‏}‏ أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها ‏{‏لعلهم يفقهون‏}‏ أي يفهمون ويتدبرون عن اللّه آياته وحججه وبراهينه قال زيد ابن أسلم‏:‏ لما نزلت ‏{‏قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم‏}‏ الآية، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف‏)‏ قالوا‏:‏ ونحن نشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏ فقال بعضهم‏:‏ لا يكون هذا ابداً أن يقتل بعضنا بعضاً ونحن مسلمون، فنزلت ‏{‏انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون* وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون‏}‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم وابن جرير‏"‏

 الآية رقم ‏(‏66 ‏:‏ 69‏)‏

‏{‏ وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ‏.‏ لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ‏.‏ إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ‏.‏ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وكذب به‏}‏ أي بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان ‏{‏قومك‏}‏ يعني قريشاً، ‏{‏وهو الحق‏}‏ أي الذي ليس وراءه حق، ‏{‏قل لست عليكم بوكيل‏}‏، أي لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم كقوله‏:‏ ‏{‏وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏}‏، أي إنما عليَّ البلاغ وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنا والآخرة، من خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لكل نبأ مستقر‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي لكل نبأ حقيقة، أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال‏:‏ ‏{‏ولتعلمن نبأه بعد حين‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لكل أجل كتاب‏}‏، وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده‏:‏ ‏{‏وسوف تعلمون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا‏}‏ أي بالتكذيب والاستهزاء فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره‏}‏ أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ‏{‏وإما ينسينك الشيطان‏}‏، والمراد بذلك كل فرد فرد من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات اللّه ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسياً ‏{‏فلا تقعد بعد الذكرى‏}‏ بعد التذكر ‏{‏مع القوم الظالمين‏}‏، ولهذا ورد في الحديث‏:‏ ‏(‏رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن ماجة ولفظه ‏(‏إن اللّه وضع عن أمتي الخطأ‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏"‏وقال السدي في قوله‏:‏ ‏{‏وإما ينسينك الشيطان‏}‏، قال‏:‏ إن نسيت فذكرت ‏{‏فلا تقعد‏}‏ معهم، وكذا قال مقاتل بن حيان، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله‏:‏ ‏{‏وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم‏}‏ الآية، أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله‏:‏ ‏{‏وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء‏}‏ أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برثوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم، قال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قوله‏:‏ ‏{‏وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء‏}‏ قال‏:‏ ما عليك أن يخوضوا في آيات اللّه إذا فعلت ذلك، أي إذا تجنبتم وأعرضت عنهم، وقال آخرون‏:‏ بل معناه‏:‏ وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله‏:‏ ‏{‏إنكم إذا مثلهم‏}‏، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، وعلى قولهم يكون قوله‏:‏ ‏{‏ولكن ذكرى لعلهم يتقون‏}‏ أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكريراً لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏70‏)‏

‏{‏ وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا‏}‏ أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلاً فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وذكر به‏}‏ أي ذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة اللّه وعذابه الأليم يوم القيامة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن تبسل نفس بما كسبت‏}‏ أي لئلا تبسل، قال ابن عباس والحسن والسدي‏:‏ تبسل‏:‏ تسلم، وقال الوالبي عن ابن عباس تفتضح‏.‏ وقال قتادة‏:‏ تحبس، وقال ابن زيد‏:‏ تؤاخذ، وقال الكلبي‏:‏ تجزى، وكل هذا الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير، والإرتهان عن درك المطلوب، كقوله‏:‏ ‏{‏كل نفس بما كسبت رهينة إلا اصحاب اليمين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ليس لها من دون اللّه ولي ولا شفيع‏}‏ أي لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها‏}‏ أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً‏}‏ الآية، وكذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏أولئك الذين ابسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏71 ‏:‏ 73‏)‏

‏{‏ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ‏.‏ وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ‏.‏ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ‏}‏

قال السدي‏:‏ قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏قل أندعوا من دون اللّه مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا‏}‏ أي في الكفر ‏{‏بعد إذ هدانا اللّه‏}‏ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول‏:‏ مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضلَّ الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون‏:‏ ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام ‏"‏رواه ابن جرير‏"‏وقال قتادة ‏{‏استهوته الشياطين في الارض‏}‏ أضلته في الارض‏:‏ يعني استهوته سيرته، كقوله‏:‏ ‏{‏تهوي إليهم‏}‏، وقال ابن عباس‏:‏ هذا مثل ضربه اللّه لآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى اللّه عزَّ وجلَّ، كمثل رجل ضل عن طريق تائهاً، إذ ناداه مناد‏:‏ يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، يقول‏:‏ مثل من يعبد هذه الآلهة من دون اللّه فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالذي استهوته الشياطين في الأرض‏}‏ هم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً فبهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون اللّه عزَّ وجلَّ رواه ابن جرير‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران‏}‏ قال‏:‏ رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق وذلك مثل من يضل من بعد أن هدي‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ هو الذي لا يستجيب لهدى اللّه، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الارض بالمعصية، وحاد من الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول اللّه ذلك لأوليائهم من الإنس ‏{‏إن الهدى هدى اللّه‏}‏ والضلال ما يدعو إليه الجن، رواه ابن جرير، ثم قال‏:‏ وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال‏:‏ وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن اللّه أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالاً وقد اخبر اللّه أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير، فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الارض حيران، وهو منصوب على الحال أي في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى وتقدير الكلام فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ولو شاء اللّه لهداه ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قل إن هدى اللّه هو الهدى‏}‏ كما قال‏:‏ ‏{‏ومن يهد اللّه فما له من مضل‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏إن تحرص على هداهم فإن اللّه لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأمرنا لنسلم لرب العالمين‏}‏ أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له ‏{‏وأن أقيموا الصلاة واتقوه‏}‏ أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ‏{‏وهو الذي إليه تحشرون‏}‏ أي يوم القيامة، ‏{‏وهو الذي خلق السموات والارض بالحق‏}‏ أي بالعدل فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله‏:‏ ‏{‏ويوم يقول كن فيكون‏}‏ يعني يوم القيامة الذي يقول اللّه كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، واختلف المفسرن في قوله‏:‏ ‏{‏يوم ينفخ في الصور‏}‏، فقال بعضهم‏:‏ المراد بالصور هنا جمع صورة أي يوم ينفخ فيها فتحيا‏.‏ قال ابن جرير كما يقال‏:‏ سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، قال ابن جرير‏:‏ والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته متى يؤمر فينفخ‏)‏ ‏"‏رواه مسلم في صحيحه‏"‏وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال أعرابي‏:‏ يا رسول اللّه ما الصور‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏قرن ينفخ فيه‏)‏

 الآية رقم ‏(‏74 ‏:‏ 79‏)‏

‏{‏ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ‏.‏ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ‏.‏ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ‏.‏ فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ‏.‏ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ‏.‏ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ‏}‏

قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارخ، وقال مجاهد والسدي‏:‏ آزر اسم صنم، قلت‏:‏ كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فاللّه أعلم، وقال ابن جرير‏:‏ هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام، ثم قال ابن جرير‏:‏ والصواب أن اسم أبيه أزر، وقد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقباً، وهذا الذي قاله جيد قوي واللّه أعلم‏.‏ وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله لأبيه، أو عطف بيان وهو أشبه، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها فلم ينته كما قال‏:‏ ‏{‏وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر تتخذ أصناما آلهة‏}‏ أي أتتأله لصنم تعبده من دون اللّه ‏{‏إني أراك وقومك‏}‏ أي السالكين مسلكك ‏{‏في ضلال مبين‏}‏ أي تائهين، لا يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا‏}‏، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو اللّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم‏}‏، وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر‏:‏ يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد‏؟‏ فيقال‏:‏ يا إبراهيم انظر ما ورءاك، فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، وقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض‏}‏ أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية اللّه عزَّ وجلَّ في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله‏:‏ ‏{‏قل انظروا ماذا في السموات والأرض‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض‏}‏‏.‏ وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين‏}‏، فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عياناً، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل في حديث المنام‏:‏ ‏(‏أتاني ربي في أحسن صورة فقال‏:‏ يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى‏؟‏ فقلت‏:‏ لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك‏)‏ وذكر الحديث‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وليكون من الموقنين‏}‏ قيل الواو زائدة تقديره‏:‏ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين‏}‏، وقيل‏:‏ بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جن عليه الليل‏}‏ أي تغشاه وستره ‏{‏رأى كوكبا‏}‏ أي نجماً قيل‏:‏ الزهرة، وقيل‏:‏ المشتري، وهو قول الطبري، وكان قومه يعبدون الكواكب ، ‏{‏قال هذا ربي فلما أفل‏}‏ أي غاب‏.‏ قال محمد بن إسحاق الأفول‏:‏ الذهاب، وقال ابن جرير‏:‏ يقال أفل النجم يأفِل ويأفُل أفولاً وأفلاً‏:‏ إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة‏:‏

مصابيح ليست باللواتي نقودها * دياج ولا بالآفلات الزوائل

ويقال‏:‏ أين أفلت عنا‏؟‏ بمعنى أين غبت عنا‏.‏ ‏{‏قال‏:‏ لا أحب الآفلين‏}‏، قال قتادة‏:‏ علم أن ربه دائم لا يزول ‏{‏فلما رأى القمر بازغا‏}‏ أي طالعاً، ‏{‏قال هذا ربي فلما أفل قال‏}‏ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، ‏{‏فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي‏}‏ أي هذا المنير الطالع ربي ‏{‏ هذا أكبر‏}‏ أي جرماً من النجم والقمر وأكثر إضاءة، ‏{‏فلما أفلت‏}‏ أي غابت ‏{‏قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض‏}‏ أي خلقهما ‏{‏حنيفا وما أنا من المشركين‏}‏ أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي ‏{‏للذي فطر السموات والأرض‏}‏ أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ‏{‏حنيفا‏}‏ أي في حال كوني حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وما أنا من المشركين‏}‏‏.‏ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام‏:‏ هل هو مقام نظر أو مناظرة‏؟‏ فروى ابن جرير عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله‏:‏ ‏{‏لئن لم يهدني ربي‏}‏ الآية‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف‏.‏

والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولاً صلوات اللّه وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيع عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جرم من الأجرام خلقها اللّه منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من الشرق ثم تسير فيما بينه وبين الغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع ‏{‏قال يا قوم إني بريء مما تشركون‏}‏ أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعاً ثم لا تنظرون ‏{‏إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين‏}‏ أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه وملكيه وإلهه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربكم اللّه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العاليمن‏}‏، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال اللّه في حقه‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون‏}‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن إبراهيم كان أمة قانتا للّه حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين‏}‏، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة‏)‏، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قال اللّه إني خلقت عبادي حنفاء‏)‏، وقال اللّه في كتابه العزيز‏:‏ ‏{‏فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم‏؟‏ قالوا بلى‏}‏، ومعناه على أحد القولين كقوله‏:‏ ‏{‏فطرة اللّه التي فطر الناس عليها‏}‏، كما سيأتي بيانه، فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله اللّه أمة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين ناظراً في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى‏:‏

 الآية رقم ‏(‏80 ‏:‏ 83‏)‏

‏{‏ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ‏.‏ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ‏.‏ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ‏.‏ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ‏}

يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول أنه قال‏:‏ ‏{‏أتحاجوني في اللّه وقد هداني‏}‏ أي أتجادلونني في أمر اللّه وأنه لا إله إلا هو، وقد بصّرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً‏}‏ أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئاً وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا أن يشاء ربي شيئاً‏}‏، استثناء منقطع أي لا يضر ولا ينفع إلا اللّه عزَّ وجلَّ ‏{‏وسع ربي كل شيء علماً‏}‏ أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى عليه خافية، ‏{‏أفلا تتذكرون‏}‏ أي فيما بينته لكم، أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها‏؟‏ وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي اللّه هود عليه السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول‏:‏ ‏{‏قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد اللّه واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏وكيف أخاف ما أشركتم‏}‏ أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون اللّه ‏{‏ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ما لم ينزل به عليكم سلطاناً‏}‏، قال ابن عباس وغير واحد من السلف‏:‏ أي حجة، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون‏}‏ أي فأيّ طائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل‏؟‏ أيهما أحق بالأمن من عذاب اللّه يوم القيامة المؤمن أم المشرك‏؟‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون‏}‏ أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة للّه وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة‏.‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ شق ذلك على الناس، فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه أينا لا يظلم نفسه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح‏:‏ ‏{‏يا بني لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ إنما هو الشرك‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وابن أبي حاتم، وأخرجه البخاري بلفظ‏:‏ شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏‏.‏ وفي رواية لما نزلت‏:‏ ‏{‏ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا‏:‏ وأينا لم يظلم نفسه‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ليس كما تظنون إنما هي كما قال العبد الصالح لإبنه‏:‏ ‏{‏يا بني لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم‏}‏‏)‏، وفي لفظ قالوا‏:‏ أينا لم يظلم نفسه‏؟‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح‏:‏ ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ إنما هو الشرك‏)‏ ولابن أبي حاتم عن عبد اللّه مرفوعاً قال‏:‏ ‏{‏ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏بشرك‏)‏ ‏"‏وروي عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب وحذيفة وابن عمر وعكرمة والضحّاك وقتادة والسدي‏"‏‏.‏ وعن عبد اللّه قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏قيل لي أنت منهم‏)‏

وقال الإمام أحمد، حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب عن زاذان عن جرير بن عبد اللّه قال‏:‏ خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏كأن هذا الراكب إياكم يريد ‏)‏ فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أين أقبلت‏؟‏ قال‏:‏ من أهلي وولدي وعشيرتي قال‏:‏ فأين تريد‏؟‏ قال‏:‏ أريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ فقد أصبته قال‏:‏ يا رسول اللّه علمني ما الإيمان‏؟‏ قال‏:‏ أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت قال‏:‏ قد أقررت، قال‏:‏ ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان فهوى بعيره، وهوى الرجل فوقع على هامته فمات‏.‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ عليَّ بالرجل ، فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا‏:‏ يا رسول اللّه قبض الرجل، قال‏:‏ فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعاً ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ هذا من الذين قال اللّه عزَّ وجلَّ فيهم‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ الآية، ثم قال‏:‏ دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى القبر، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر، فقال‏:‏ ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا‏)‏، وفي بعض الروايات هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً‏.‏

وروى ابن مردويه عن عبد اللّه بن سخبرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من أعطي فشكر ومنع فصبر وظَلَم فاستغفر وظُلِم فغفر‏)‏ وسكت قال‏:‏ فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه ما له‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏أولئك لهم الأمن وهم مهتدون‏}‏ في اللباب‏:‏ أخرج ابن أبي حاتم‏:‏ حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلاً ثم حمل فقتل آخر، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال‏:‏ أينفعني الإسلام بعد هذا‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ نعم ، فضرب فرسه، فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه فقتل رجلاً ثم آخر ثم آخر، ثم قُتل‏.‏ فيرون أن هذه الآية ‏{‏الذين آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ نزلت فيه ‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه‏}‏ أي وجهنا حجته عليهم‏.‏ قال مجاهد وغيره يعني بذلك قوله‏:‏ ‏{‏وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن‏}‏ الآية‏.‏ وقد صدقه اللّه وحكم له بالأمن والهداية فقال‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون‏}‏، ثم قال بعد ذلك كله‏:‏ ‏{‏وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء‏}‏ قرىء بالإضافة وبلا إضافة، وكلاهما قريب في المعنى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن ربك حكيم عليم‏}‏ أي حكيم في أقواله وأفعاله، عليم‏:‏ أي بمن يهديه ومن يضله وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏، ولهذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏إن ربك حكيم عليم‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏84 ‏:‏ 90‏)‏

‏{‏ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ‏.‏ وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ‏.‏ وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ‏.‏ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ‏.‏ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ‏.‏ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ‏.‏ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ‏}‏

يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت‏:‏ ‏{‏يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب‏}‏، فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلاً وعقباً، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين‏}‏، وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال‏:‏ ‏{‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏}‏ أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة اللّه في الأرض، فعوضه اللّه عزَّ وجلَّ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً‏}‏، وقال ههنا‏:‏ ‏{‏ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ونوحاً هدينا من قبل‏}‏ أي من قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن اللّه تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل اللّه ذريته هم الباقين فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث اللّه عزَّ وجلَّ بعده نبياً إلا من ذريته كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا‏}‏، وقوله في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏ومن ذريته‏}‏ أي وهدينا من ذريته ‏{‏داود وسليمان‏}‏ الآية، وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير، وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه هاران بن آزر، اللهم إلا أن يقال‏:‏ إنه دخل في الذرية تغليباً، كما في قوله‏:‏ ‏{‏أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي‏؟‏ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون‏}‏، فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليباً، وكما قال في قوله‏:‏ ‏{‏فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس‏}‏‏.‏ فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة، لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليباً، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له‏.‏

روي أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال‏:‏ بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى اللّه عليه وسلم تجده في كتاب اللّه، وقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أجده‏؟‏ قال‏:‏ أليس تقرأ سورة الأنعام‏:‏ ‏{‏ومن ذريته داود وسليمان‏}‏ حتى بلغ ‏{‏ويحيى وعيسى‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب‏؟‏ قال‏:‏ صدقت ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏ فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي‏:‏

بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأجانب‏.‏

وقال آخرون‏:‏ ويدخل بنو البنات فيهم أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للحسن بن علي‏:‏ ‏(‏إن ابني هذا سيد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏)‏ فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون‏:‏ هذا تجوز‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن أبائهم وذرياتهم وإخوانهم‏}‏ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية أو الاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء من عباده‏}‏ أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق اللّه وهدايته إياهم ‏{‏ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون‏}‏ تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لحبطنَّ عملك‏}‏ الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله‏:‏ ‏{‏قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو اللّه الواحد القهار‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة‏}‏ أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ولطفاً منا بالخليقة، ‏{‏فإن يكفر بها‏}‏ أي بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على هذه الأشياء الثلاثة‏:‏ الكتاب والحكم والنبوءة، ‏{‏فإن يكفر بها‏}‏ أي بالنبوة، ‏{‏هؤلاء‏}‏ يعني أهل مكة وهو قول ابن عباس والضحّاك وقتادة والسدي وغيرهم ، ‏{‏فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين‏}‏ أي إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوماً آخرين، أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، ‏{‏ليسوا بها بكافرين‏}‏ أي لا يجحدون منها شيئاً ولا يردون منها حرفاً واحداً بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه وإحسانه‏.‏ ثم قال تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه ‏{‏الذين هدى اللّه‏}‏ أي هم أهل الهدى لا غيرهم ‏{‏فبهداهم اقتده‏}‏ أي اقتد واتبع، وإذا كان هذا للرسول صلى اللّه عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به، قال البخاري عند هذه الآية عن سليمان الأحول أن مجاهداً أخبره أنه سأل ابن عباس‏:‏ أفي ص سجدة‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، ثم تلا‏:‏ ‏{‏ووهبنا له إسحاق ويعقوب‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فبهداهم اقتده‏}‏ ثم قال‏:‏ هو منهم، زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت لابن عباس، فقال‏:‏ نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ممن أُمِرَ أن يقتدى بهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أسألكم عليه أجراً‏}‏ أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجراً أي أجرة ولا أريد منكم شيئاً، ‏{‏إن هو إلا ذكرى للعالمين‏}‏ أي يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان‏.‏

 الآية رقم ‏(‏91 ‏:‏ 92‏)‏

‏{‏ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ‏.‏ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ‏}‏

يقول اللّه تعالى‏:‏ وما عظموا اللّه حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم‏.‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل‏:‏ نزلت في طائفة من اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ في فنحاص رجل منهم‏.‏ وقيل‏:‏ في مالك بن الصيف في اللباب‏:‏ أخرج ابن أبي حاتم‏:‏ خاصم مالك بن الصيف اليهودي النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال له النبي‏:‏ ‏(‏أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين‏؟‏ وكان حبراً سميناً، فغضب، وقال‏:‏ ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏وما قدروا اللّه‏}‏ الآية ‏.‏ ‏{‏إذ قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شيء‏}‏، والأول أصح، لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه من البشر، كما قال‏:‏ ‏{‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث اللّه بشراً رسولاً‏}‏، وقال ها هنا‏:‏ ‏{‏وما قدروا اللّه حق قدره إذ قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شيء‏}‏، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس‏}‏ أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند اللّه في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ‏{‏من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى‏}‏ وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن اللّه قد أنزلها على موسى بن عمران ‏{‏نوراً وهدى للناس‏}‏ أي ليستضاء بها في كشف المشكلات ويهتدى بها من ظلم الشبهات، وقوله‏:‏ ‏{‏تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً‏}‏ أي تجعلون جملتها قراطيس، أي قطعاً تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون وتقولون‏:‏ هذا من عند اللّه أي في كتابه المنزل وما هو من عند اللّه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً‏}‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم‏}‏ أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم اللّه فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم، وقد قال قتادة‏:‏ هؤلاء مشركو العرب، وقال مجاهد‏:‏ هذه للمسلمين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل اللّه‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ أي قل اللّه أنزله، وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى ‏{‏قل اللّه‏}‏ أي لا يكون خطابك لهم إلا هذه الكلمة كلمة اللّه ، وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمراً بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ثم ذرهم في خوضهم يلعبون‏}‏ أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من اللّه اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد اللّه المتقين‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب‏}‏ يعني القرآن ‏{‏أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى‏}‏ يعني مكة ‏{‏ومن حولها‏}‏ من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لأنذركم به ومن بلغ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً‏}‏، وثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وذكر منهن‏:‏ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة‏)‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به‏}‏ أي كل من آمن باللّه واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن، ‏{‏وهم على صلاتهم يحافظون‏}‏ أي يقيمون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها‏.‏